الثعالبي

114

جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )

وقت العاقل فضلة في غير ما خلق له من عبادة خالقه ، والاهتمام بمصالح آخرته ، والاستعداد لمعاده ، أعرف العبيد بجلال مولاه أخلاهم عما سواه ، وأكثرهم لهجا بذكره ، وتعظيما لأمره ، وأحسنهم تأملا لآثار صنعته ، وبدائع حكمته ، وأشدهم شوقا إلى لقائه ، ومشاهدته انتهى . وزيادة الإيمان على وجوه كلها خارج ، عن نفس التصديق : منها أن المؤمن إذا كان لم يسمع حكما من أحكام الله عز وجل في القرآن ، فنزل على النبي صلى الله عليه وسلم فسمعه ، فآمن به ، زاد إيمانا إلى سائر ما قد آمن به ، إذ لكل حكم تصديق خاص ، وهذا يترتب فيمن بلغه ما لم يكن عنده من الشرع إلى يوم القيامة ، وترتب زيادة الإيمان بزيادة الدلائل ، ولهذا قال مالك : الإيمان يزيد ولا ينقص ، ويترتب بزيادة الأعمال البرة على قول من يرى أن لفظة الإيمان واقعة على التصديق والطاعات ، وهؤلاء يقولون : يزيد وينقص . وقوله سبحانه : ( وعلى ربهم يتوكلون ) عبارة جامعة لمصالح الدنيا والآخرة إذا اعتبرت ، وعمل بحسبها في أن يمتثل الإنسان ما أمر به ، ويبلغ في ذلك أقصى جهده دون عجز ، وينتظر بعد ما وعد به من نصر ، أو رزق ، أو غيره ، وهذه أوصاف جميلة وصف الله بها فضلاء المؤمنين ، فجعلها غاية للأمة يستبق إليها الأفاضل ، ثم أتبع ذلك وعدهم ووسمهم بإقامة الصلاة ، ومدحهم بها حضا على ذلك . وقوله : ( ومما رزقناهم ينفقون ) . قال جماعة من المفسرين : هي الزكاة وإنما حملهم على ذلك اقتران الكلام بإقامة الصلاة ، وإلا فهو لفظ عام في الزكاة ، ونوافل الخير ، وصلات المستحقين ، ولفظ ابن عباس في هذا المعنى محتمل . وقوله سبحانه : ( لهم درجات ) ظاهره ، وهو قول الجمهور أن المراد مراتب الجنة ، ومنازلها ، ودرجاتها على قدر أعمالهم ، ( ورزق كريم ) يريد مآكل الجنة ، ومشاربها ، و ( كريم ) صفة تقتضي رفع المذام ، كقوله : ثوب كريم . وقوله سبحانه : ( كما أخرجك ربك من بيتك بالحق . . . ) الآية : اختلف في معنى هذه الآية ، فقال الفراء : التقدير امض لأمرك / في الغنائم ، وإن كرهوا كما أخرجك ربك . قال * ع * : وتحرير هذا المعنى عندي أن يقال : هذه الكاف شبهت هذه القصة